مجموعة مؤلفين ( اعداد : التسخيري )

50

رجالات التقريب

والعرفان في دينه ، فيعمل الخير لأنه يفقه أنه الخير النابع المرضي لله ، ويترك الشر لأنه يفهم سوء عاقبته ودرجة مضرته في دينه ودنياه ، ويكون فوق هذا على بصيرة وعقل في اعتقاده ، فالعاقل لا يقلد عاقلا مثله ، فأجدر به أن لا يقلد جاهلا دونه . . « 1 » . وإذا ما حدث وحسب الإنسان وجود تعارض بين العقل والنقل فإن ذلك لا يعدو أن يكون تعارضا بين حقيقة النقل وبين توهم العقل . وليس صريح العقل . أو تعارضا بين العقل وظاهر النقل - وليس حقيقة النقل - « فلقد اتفق أهل الملة الإسلامية - إلا قليلا ممن لا ينظر إليه - على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل ، وبقي في النقل طريقان : طريق التسليم بصحة المنقول ، مع الاعتراف بالعجز عن فهمه ، وتفويض الأمر إلى اللّه في علمه ، والطريق الثانية : تأويل النقل ، مع المحافظة على قوانين اللغة ، حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل « 2 » . ومع هذا الإعلان لمقام العقلانية المؤمنة ، هناك - في فكر هذه المدرسة الإحيائية - الحذر والتحذير من العقلانية اللادينية ، التي تكتفي بالعقل عن النقل ، والتي تستغني بالنسبي عن المطلق والكلي والمحيط . . « فالعقل البشري وحده ليس في استطاعته أن يبلغ بصاحبه ما فيه سعادته في هذه الحياة ، اللهم إلا في قليل ممن لم يعرفهم الزمن ، فإن كان لهم من الشأن العظيم ما به عرفهم ، أشار إليهم الدهر بأصابع الأجيال . . فمجرد البيان العقلي لا يدفع نزاعا ، ولا يرد طمأنينة ، وقد يكون القائم على ما وضع من شريعة العقل ممن يزعم أنه أرفع من وضاعها ، فيذهب الناس مذهب شهواته فتذهب حرمتها ، ويتهدم بناؤها ، ويفقَدُ ماقُصِدَ بوضعها . . وإذا قدرنا عقل البشر قدره ، وجدنا غاية ما ينتهي إليه كما له إنما هو الوصول إلى معرفة عوارض بعض الكائنات التي تقع تحت الإدراك الإنساني . . أما الوصول إلى كنه حقيقة فمما لا تبلغه قوته . . ومن أحوال الحياة الأخرى مالا يمكن لعقل بشري أن يصل إليه وحده . . لهذا كان العقل محتاجا إلى معين يستعين به في وسائل السعادة في الدنيا والآخرة « 3 » . 6 - وسادس هذه الأصول الفكرية : الوعي بسنن اللّه الكونية تلك التي تحكم سائر عوالم المخلوقات ، والتي تمثل قواعد علم الاجتماع الديني ، في التقدم والتخلف ، في النهوض والانحطاط ، في الانتصارات والهزائم ، وفي التدافع بين الدعوات والأمم والحضارات .

--> ( 1 ) - ( الاعمال الكاملة للإمام محمد عبده ) ج 3 ، ص 356 ، 357 ، 101 ، 279 ، 281 ، 281 ، ج 4 ، ص 414 . ( 2 ) - المصدر السابق . ج 3 ، ص 301 . ( 3 ) - المصدر السابق ، ج 3 ، ص 412 ، 426 ، 379 ، 397 .